أبي منصور الماتريدي
513
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
فقال الله تعالى لنبيه صلى اللّه عليه وسلم : قل لهم : إن كانت لكم الدار الآخرة - كما تزعمون - وأنكم أبناء الله وأحباؤه - كما تقولون - فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ . وذلك أن المرء لا يكره الانتقال إلى داره ، وإلى بستانه ، بل يتمنى ذلك ، وكذلك المرء لا يكره القدوم على أبيه ، ولا على ابنه ، ولا على حبيبه ، ولا يخاف نقمته ولا عذابه ، بل يجد عنده الكرامات والهدايا . فإن كان كما تقولون ، فتمنوا الموت ؛ حتى تنجوا من غم الدنيا ، ومن تحمل الشدائد التي فيها إن كنتم صادقين في زعمكم : بأن الآخرة لكم ، وأنكم أبناء الله وأحباؤه . فإن قيل : إنكم تقولون : إن الآخرة للمؤمنين ، ثم لا أحد منهم يتمنى الموت إذا قيل له : تمنّ الموت ، فما معنى الاحتجاج عليهم بذلك ، وذلك على المؤمنين كهو عليهم ؟ قيل : لوجهين : أحدهما : أن المؤمنين لم يجعلوا لأنفسهم من الفضل والمنزلة عند الله ما جعلوا هم لأنفسهم ؛ فكان في تمنيهم صدق ما ادعوا لأنفسهم ، وفي الامتناع عن ذلك ظهور صدق رسول الله صلى اللّه عليه وسلم . والثاني : ما ذكرنا أنهم ادعوا : أنهم أبناء الله وأحباؤه ، وفي تمنيهم الموت ردهم ، وصرفهم إلى الحبيب ، والأب الذي ادعوه ، ولا أحد يرغب وينفر عن حبيبه وأبيه ؛ فدل امتناعهم عن ذلك : على كذبهم في دعاويهم . وبالله نستعين . فإن سألونا عن قوله : فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ أنهم إذا تمنوا ليس كان انقضاء عمرهم بدون الأجل الذي جعل لهم ، وفي ذلك : تقديم الآجال عن الوقت الذي كان أجلا ، وقال الله تعالى : لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [ الأعراف : 34 ] . قيل : إن الله علم منهم - في سابق علمه ، وأزليته - أنهم لا يتمنون جعل أجلهم ذلك . ولو علم منهم أنهم يتمنون الموت لكان يجعل أجلهم ذلك في الابتداء ، وكذلك هذا الجواب ؛ لما روى : « أن صلة الرحم تزيد في العمر » « 1 » . إنه كذلك يحتمل في الابتداء ، لا أن يجعل أجله إلى وقت ، ثم إذا وصل رحمه يزيد على ذلك الأجل أو ينقص ، فيتمنى الموت عن الأجل المجعول المضروب له ، وبالله التوفيق . وقوله : وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً . فيه دلالة إثبات رسالة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وذلك أنه أخبر - عزّ وجل - أنهم لا يتمنون أبدا ،
--> ( 1 ) تقدم .